الشيخ الطوسي
53
المبسوط
لقوله تعالى " إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله " إلى قوله " من خلاف " ( 1 ) فوصفهم بالمحاربة وأمر بقطعهم من خلاف ، وقال بعضهم إن قطع اليد من الحدود التي لا تجب لأجل المحاربة ، والأولى أقوى عندي لظاهر الآية . فإذا تقررت أقسام الحقوق فالكلام بعد هذا فيما يسقط منها ، وما لا يسقط ، وجملته أنه لا يخلو من أحد أمرين إما أن يقدر عليه قبل التوبة أو بعدها ، فإن قدر عليه قبل التوبة لم يسقط شئ منها بحال ، لقوله " إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم " فجعل من شرط سقوطها التوبة قبل القدرة ، فلم يوجد الشرط . وأما إن قدر عليه بعد التوبة فكل حق وجب لأجل المحاربة سقط بمجرد التوبة وهو انحتام القتل والصلب وقطع الرجل لقوله " إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم " وهؤلاء تابوا قبل القدرة وأما حقوق الآدميين فلا تسقط وضمان الأموال ليست بآثام . وأما الحدود الواجبة عليه لا لأجل المحاربة كحد الزنا والشرب واللواط ، فهل يسقط بمجرد التوبة أم لا ؟ قال قوم تسقط بمجرد التوبة ، كانحتام القتل والصلب وقطع الرجل ، وقال آخرون لا تسقط بمجرد التوبة كالقصاص وحد القذف والأول يقتضيه مذهبنا . وأما قطع اليد فمن قال من حدود المحاربة ، قال يسقط بمجرد التوبة وهو الذي اخترناه ، ومن قال هو كالقطع بالسرقة فهل يسقط بمجرد التوبة على ما مضى قال قوم يسقط وقال آخرون لا يسقط ، فأما غيرهم فكل من أتى ما يوجب الحد تم تاب وصلح عمله ، فظاهر رواياتنا تدل على أنه يسقط ، وقال قوم لا يسقط . إذا شهد شاهدان أن هؤلاء قطعوا الطريق علينا وعلى القافلة قاتلونا وأخذوا متاعنا لم تقبل هذه الشهادة في حق أنفسهما لأنهما شهدا لأنفسهما ، ولا تقبل شهادة الانسان لنفسه ، ولا تقبل شهادتهما للقافلة أيضا لأنهما قد أبانا عن العداوة ، وشهادة العدو لا يقبل على عدوه .
--> ( 1 ) المائدة : 33 .